محمد بن جرير الطبري

42

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بن أفلح ، قال : قال كعب بن مالك : ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغزاة . قال كعب بن مالك : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : أتجهز غدا ثم ألحقه فأخذت في جهازي ، فأمسيت ولم أفرغ ؛ فلما كان اليوم الثالث أخذت في جهازي ، فأمسيت ولم أفرغ ، فقلت : هيهات ، سار الناس ثلاثا فأقمت . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الناس يعتذرون إليه ، فجئت حتى قمت بين يديه فقلت : ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة . فأعرض عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الناس أن ألا يكلمونا ، وأمرت نساؤنا أن يتحولن عنا . قال : فتسورت حائطا ذات يوم فإذا أنا بجابر بن عبد الله ، فقلت : أي جابر ، نشدتك بالله هل علمتني غششت الله ورسوله يوما قط ؟ فسكت عني ، فجعل لا يكلمني . فبينا أنا ذات يوم ، إذ سمعت رجلا على الثنية يقول : كعب كعب حتى دنا مني ، فقال : بشروا كعبا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام ، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة ، صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية . ثم قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ولم يجاوزها ، وأنزل الله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ الآية ، والثلاثة الذين خلفوا : رهط منهم : كعب بن مالك وهو أحد بني سلمة ، ومرارة بن ربيعة وهو أحد بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية وهو من بني واقف . وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا ؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، صدقه أولئك حديثهم واعترفوا بذنوبهم ، وكذب سائرهم ، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حبسهم إلا العذر ، فقبل منهم رسول الله وبايعهم ، ووكلهم في سرائرهم إلى الله . ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خلفوا ، وقال لهم حين حدثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم : " قد صدقتم فقوموا حتى يقضى الله فيكم " فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة ، وقال للآخرين : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ حتى بلغ : لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك ، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي ، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها ؛ إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد . ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها . فكان من خيري حين تخلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة . فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ، واستقبل عدوا كثيرا ، فجلى للميلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير ، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك